منتدى التقافة و العلوم
أهلا و سهلا بك زائرنا العزيز في منتدى الثقافة و العلوم و نتمى أن لا تبخل علينا بالإنضمام حتى تعم الفائدة.

منتدى التقافة و العلوم

منتدى متميز
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلcoraanHMLدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
مواضيع مماثلة

دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
قائمة مواقع صديقة

احاديث نبوية

** حديث شريف ** عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **

It Is Time to know Muhammad
___________
Il est temps de savoir Le Prophète Muhammad
___________

___________

اختبر محبتك


شاطر | 
 

 قبسات من الرسول صلى الله عليه وسلم "طلب العلم فريضة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
netislamic
مستشار
مستشار


عدد المساهمات : 207
نقاط : 13232
تاريخ التسجيل : 25/01/2010
العمر : 23

مُساهمةموضوع: قبسات من الرسول صلى الله عليه وسلم "طلب العلم فريضة"   السبت 6 فبراير - 5:05

قَبَسَـاتٌ مِنَ الرسول صلى الله عليه وسلم(2)

طلب العلم فريضة



" طلب العلم فريضة على كل مسلم " [5].

العلم.. هذا النور الذي يهدي الله به في مسالك الأرض، وينير لهم السبيل: " إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة" [6].

العلم.. تلك النافذة الضخمة المفتوحة على " المجهول " والشعاع النافذ إلى الظلمات.

العلم.. تلك الطاقة الهائلة التي يمد بها الإنسان حياته، ويوسع كيانه، فلا ينحصر في ذات نفسه، ولا ينحصر في واقعه الضيق القريب، ولا ينحصر في جيله الذي يعيش فيه. بل لا ينحصر في محيط الأرض. وإنما يشمل هذا كله ويزيد عليه، فينفذ إلى الماضي، ويحاول أن يفهم المستقبل على ضوء الحاضر، ويرقب الكون على اتساعه من خلال مناظيره ونظرياته.. وينطلق.. كما تنفلت " المادة " المحسوسة من نطاقها الضيق وتصبح شعاعاً يدور في الآفاق.. " الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء..

وبه يعرف الحلال من الحرام. وهو إمام العمل والعمل تابعه.. " [7].

العلم.. تلك المنحة الربانية العجيبة التي منحها الله للإنسان، وكرّمه بها وفضّله. وهي إحدى معجزات الخلق. نمر بها غافلين لأننا تعودناها!

ولا نفتح أفواهنا من العجب، ولا تخفق قلوبنا من البهر إلا حين يقع العلم على سر هائل من أسرار الكون، أو يفتح باباً جديداً على المجهول.. مع أن المعجزة في الصغير والكبير سواء! كشأن " الحياة " تُعجز في الخلية المفردة كما تعجز في أعقاد الأحياء!

هذا العلم.. لقد كان الإسلام حرياً أن يحتفل به ويعظمه، وهو الذي يحتفل بطاقات الحياة كلها ويعظمها، وهو الذي يوجه القلوب لكل منحة منحها الله، وكل آية من آيات الله..

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حرياً أن يحث على العلم ويرفع منزلته، وهو الذي نزل عليه الوحي فعلمه: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فذاق حلاوة العلم، وتفتحت له به الآفاق. ثم هو الذي يتلو من هذا الوحي:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)! [8].

ولكن التعبير الذي استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحث على العلم، يظل عجيباً مع هذا كله، وتظل له دلالاته الخاصة وإيحاءاته الخاصة، وتوجيهاته التي لا تصدر إلا عن رسول، وصول بالله، واصل إلى حماه!

طلب العلم " فريضة "!

هذه الكلمة المفردة تشع وحدها أمواجاً من النور، وتفتح وحدها آفاقاً من الحياة.

فريضة.. فلننظر ما تعني الفريضة في قلوب المؤمنين.

إنها أولا ً: واجب مفروض على الإنسان أن يؤديه. لا يجوز أن تشغله عنه المشاغل. ولا أن تقعده العقبات.

وهي ثانياً: واجب يؤديه الإنسان إلى الله ويتعبد به إليه، ومن ثم فهو يؤديه بأمانة. ويؤديه بنظافة. ويؤديه بإخلاص.

وهي ثالثاً: عمل يقرب العبد إلى الرب، فكلما قام الإنسان بهذه الفريضة، أو بهذه العبادة، أحس أنه يقترب من الله. فيزداد به إيماناً وتعلقاً، ويزداد له خشية وحباً، ويزداد إحساساً بالرضا في رحابه، والشكر على عطاياه.

تلك بعض معاني " الفريضة " في القلب المؤمن. وتلك كانت معاني " العلم " في نفوس المسلمين!
* * *


لم يشعر المسلمون قط أن الدنيا تنفصل في إحساسهم عن الآخرة أو أن الدين ينفصل عن الحياة.

وبهذه الروح الشاملة الواصلة - التي وجههم لها الله ورباهم عليها رسوله - كانوا يأخذون شئون الحياة كلها، من عمل وعبادة، وأفكار ومشاعر، وشريعة ونظام..

وبهذه الروح الشاملة الواصلة ذاتها كانوا يأخذون العلم.. على أنه " فريضة " تصل الأرض بالسماء، وتصل العمل بالعقيدة، وتصل " المعرفة ".. بالله.

كان للعلم في " عقولهم " هذا المدلول الشامل.. فهو ليس علم الأرض وحدها. وليس علم السماء وحدها. وليس علم النظريات وحدها أو علم التطبيقات. ولكنه ذلك كله، مشمولاً بالعقيدة ومرتبطاً بالله.

ومن ثم امتدت " العلوم " في نظرهم حتى شملت المعرفة كلها. فمنها علوم الدين من فقه وشريعة وتوحيد وكلام. ومنها علوم اللغة. وعلوم الفلك والطبيعة والكيمياء والرياضيات.. إلى آخر ما كان معروفاً يومئذ من العلوم.

ولم يكن العرب - قبل الإسلام - أمة علم، ولم يكن تراثهم يحمل شيئاً ذا قيمة من المعرفة. إنما كان همهم الشعر والبراعة اللغوية.. ولكن الهزة الجبارة التي أحدثها الإسلام في نفوسهم، والطاقة العجيبة التي جمعها في كيانهم، وأطلقها - من بعد - في فجاج الأرض، قد حولتهم إلى قوة هائلة تضرب في كل ميدان. في ميدان العقيدة. وميدان الحرب. وميدان السياسة. وميدان المعرفة كذلك.

لقد أحسوا بالرغبة الشديدة في المعرفة تتأجج في كيانهم: المعرفة من كل لون. وفي كل ميدان. فشرقوا وغربوا يطلبون العلم، ويستحوذون على كل ما يجدون منه في الطريق. ويتفتحون لذلك كله، ويهضمونه ويمثلونه ويصبغونه بصبغتهم الإسلامية التي تربط الحياة كلها برباط العقيدة. ثم يضفون إليه جديداً قيماً يشهد لهم بالجد والعزيمة، كما يشهد بالبراعة والمقدرة، والقوة والنماء.

كانت المعرفة في وقتهم مزدهرة في اليونان من ناحية، وفي الهند وفارس من ناحية. كما كانت الصين كذلك زاخرة بالعلوم. وفي الحكمة القائلة: " أطلبوا العلم ولو في الصين " ما يشير إلى هذه الحقيقة، وكان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين أن يبذلوا أقصى الطاقة في سبيل العلم، فنشطوا في سبيل ذلك لا يبالون الصعاب.

وفي سرعة خاطفة ألم الإسلام بهذا كله، وتفقه المسلمون في معارف الأرض المعروفة في ذلك الحين، ثم أخذوا في البناء والإضافة، وظهر من بينهم حشد هائل من العباقرة في كل جانب. عبقريات في الفقه - والفقه يشمل الأسس النظرية للحياة كلها بما فيها من اقتصاد وسياسة وحرب وسلم وتنظيم اجتماعي - وعبقريات في العلوم النظرية وفي العلوم العملية: في الرياضة والفلك والطبيعة والكيمياء والطب، يحفظ منهم التاريخ أسماء خالدة، دفعت بالمعرفة البشرية خطوات جبارة إلى الأمام. وظل بعضهم - كالحسن بن الهيثم - أستاذاً في مادته وكشوفه العلمية حتى القرن التاسع عشر، يتتلمذ عليه الأوربيون.

ولكن المهم في ذلك كله هو " الروح " التي شملت العلم في العالم الإسلامي.. روح " الفريضة ".

كانت التعاليم التي استقوها من الله والرسول هي التي تظلل حياتهم وتسيطر على مشاعرهم. وكانت المعرفة في وجدانهم فريضة يؤدونها، بدافع الفريضة وفي صورة الفريضة.

كان للعلم في نفوس الناس قداسة كقداسة العقيدة. قداسة تشمل المعلم كما تشمل الطلاب. كلاهما يحس بالرهبة، ويحس بالتقوى، ويحس بالنظافة، ويحس بالراحة والفرحة في رحاب الله.

إنه واجب مقدس، يؤدى " من الداخل ". يؤدى من الأعماق.

الأستاذ يحصّل العلم لأنه فريضة. ويؤديه إلى الناس لأن أداءه فريضة كذلك.

والطلاب يسعون إلى طلبه، كما يسعون إلى المسجد للصلاة.

كلاهما مخلص وكلاهما نظيف.

والمحصول العلمي الذي خلفه أولئك المسلمون - سواء أعجبنا اليوم ونحن ننظر إليه بعقلية المعارف الحديثة أم لم " نتفضل " عليه بالإعجاب - محصول يشهد بالجهد الصادق العنيف الذي بذل فيه..

لم يكن واحد يؤلف ليكسب! يكسب الشهرة أو يكسب النقود! وإنما يؤلف لأنه بحث وجد واستنبط، فوصل إلى " شيء " فأذاعه على الناس.

و " الانقطاع " للعلم كان وحده دليلاً على هذا الصدق الذي لا تفسده الأغراض.

ولم يكن الصدق والإخلاص هما السمة الوحيدة في " علم " المسلمين. فذلك لا يستنفد كل معاني " الفريضة "!

وإنما كانت هناك مزيتان أخريان، تركتا طابعاً أصيلاً في الحياة الإسلامية ما يقرب من ألف عام.

المزية الأولى أن العلم - وهو " فريضة " - كان يقرب القلوب إلى الله.. ولا يبعدها عن هداه.

نعم.. لم تحدث في الإسلام تلك الفرقة البغيضة بين العلم والدين!

وكيف تحدث والعلم فريضة يتقرب بها الإنسان إلى الله؟ كيف يتقرب إليه بالبعد عنه والنفور منه؟!

كلا! إن العلم نور الله. موهبته المعجزة التي وهبها للإنسان. وهي أولى بالشكر لا بالكفران!

وكذلك أحس المسلمون. أحسوا أن في رقابهم، ديناً لله يؤدونه. فهو قد وهب لهم " الحكمة " و " المعرفة ". وهب لهم العقل الذي يفكر ويكتشف ويستنبط. وهب لهم القدرة على الاستفادة من التجربة. وهب لهم ذلك الشعاع العلوي الذي لم يكن ليوجد لولا أن الله نفخ في الإنسان من روحه.. فعليهم لقاء ذلك دين. هو الشكر. الشكر لله المنعم الوهاب.

ومن ثم كان العلم يزيدهم إيماناً. ويزيدهم تعلقاً بالله:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [9].

تلك روح المؤمن الذي " يتعلم ". الذي يتفكر في خلق السماوات والأرض. ويصل من تفكره ذلك إلى قوانين ونظريات وحقائق وتطبيقات، تزيد " معلوماته " وتفيده في تعميره الأرض وهو يمشي في مناكبها ويأكل من رزق الله [10] فيدعوه ذلك كله إلى معرفة الله. ومعرفة " القصد " في خلق السماوات والأرض. القصد " الحق ": (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) فيسبح الله. ويتقرب إليه. ويتوقى النار ويطلب تحقيق وعد الله بالنعيم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [11].

ولم يحدث في التاريخ الإسلامي أن عالماً يبحث في الطب أو يبحث في الفلك أو يبحث في الطبيعة أو يبحث في الكيمياء.. وجد نفسه معزولاً عن العقيدة، أو وجد أن العقيدة تعطله عن البحث العلمي الدقيق! ولم تقم الحرب والخصومة في قلب مسلم بين العلم والعقيدة أو بين العلم والدين. وإنما عاش العلم في ظلال العقيدة يتقدم وينشط، ويصل إلى كشوف علمية هائلة، أقر بها المتعنتون أنفسهم من علماء أوروبا، دون أن يفترق الطريق لحظة أو يحدث الشقاق.

ذلك أن العلم كان " فريضة " إلى الله، تؤدى كما تؤدى الصلاة والصيام والزكاة!
* * *


والمزية الثانية في علوم المسلمين - الناشئة كذلك من كون العلم فريضة - أنها لم تستخدم قط في الشر أو الإيذاء!

وكيف يستخدم العلم في الشر وهو فريضة وعبادة؟

" تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة " [12].

فأين ينبغ الشر في هذا الطريق الذي تحفه خشية الله، وعبادته، وتسبيحه، والتقرب إليه؟

ولقد يخطر على البال أن علوم المسلمين لم تستخدم في الشر لأنها كانت بدائية بسيطة لا تصلح للشر، إذا قيست بطاقة الذرة وعلوم " التدمير " في القرن العشرين!

والواقع ليس كذلك! فإن علوماً أدنى من علوم المسلمين وأبسط - في مصر الفرعونية وبابل - كانت تقدر على الشر وتستخدم فيه!

فقد استخدم الكهنة في مصر القديمة - وكانوا في الأغلب هم العلماء - استخدموا معارف الكيمياء والطب والنجوم في السحر، والاستحواذ على الأموال بالباطل، والتوصل إلى السلطان المطلق على القلوب والأرواح والأجسام والعقول، والتحكم في كل أمور الناس بالعبودية والإذلال.

وكانوا يستأثرون بهذا العلم لا يبيحونه للناس، إيثاراً لأنفسهم بالنفع، واستحواذاً على السلطان الكافر الذي يذلون به العبيد.. عبيد فرعون وعبيد الكهان، وهم " الشعب " كله بلا تفريق.

ولو أراد المسلمون أن يستخدموا العلم للشر فلم تكن لتمنعهم بساطة علومهم، ولا تعجزهم عن عمل السوء..

أقرب الشر أن يصرفوا به القلوب عن الله.

وأن يضحكوا به على السذج والجهلاء فينالوا المال المتدفق وينالوا السلطان.

وأن يحبسوه عن العامة..

وأن يتزلفوا به إلى الملوك والسلاطين..

وأن يلتووا به ليبرروا مظالم السلطان.

وهذا هو التاريخ.. صفحة رائقة مشرقة مضيئة.. تشهد أن العلم الإسلامي لم يسع للشر ولم يستخدم للشر. بل أراد دائماً وجه الله وتوجه إلى الخير. ووقف في مرات كثيرة أمام السلطان الجائر يطالبه بحق الله وحق الكادحين..

ذلك أنه كان فريضة إلى الله، يتقرب بها العلماء إلى حماه.
* * *


والآن نطوي تلك الصفحة المشرقة المضيئة لنطلع على صفحة أخرى.. صفحة الغرب.

أوربا هي وريثة الإمبراطورية الرومانية والثقافة الإغريقية. وما تزال حضارتها المادية وتياراتها الفكرية تستمد من هذين المنبعين، بشعور من الأوربيين أوبغير شعور.

وقد ورثت أوربا - فيما ورثته من تاريخها المبكر - طريقة إحساسها بالله واعتقادها في الدين.

وينبغي أن نعرف أن أوربا لم تكن نصرانية حقة في يوم من الأيام! على الرغم من انتشار المسيحية فيها، وتعصب الأوربيين لها في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش. وعلى الرغم مما لا يزال يرد على بعض الألسنة الغربية حين تتحدث عن " الحضارة المسيحية "!

كلا! لم تكن تطبق الدين الحق في يوم من الأيام. وإنما كان قصارى المسيحية عندهم أن تلين لها قلوبهم في المعبد، وتتأثر أرواحهم بأنغامها السجية وسبحاتها الروحية المرفرفة، ولكنها لا تحكم الحياة العامة، ولا تحكم في أمر هذه الأرض. فإذا خرج الناس من صلاتهم في المعبد ارتدت عنهم روح الدين، وعادوا إلى الوثنية الرومانية الإغريقية القديمة، يستمدون منها أفكارهم ومشاعرهم، وتشريعاتهم وتنظيماتهم وكل حضارتهم المادية العريقة..!

وأياً ما كان الأمر فقد ظلت في لا شعور الأوربيين - تحت القشرة المسيحية الرقيقة - تلك النظرة الإغريقية إلى الله، تؤثر في وجدانهم نحوه، وتطبع إحساسهم الديني في الأعماق.

فكيف كانت الأسطورة الإغريقية تصور الله.. أو الآلهة؟

لن نستعرض هنا الأساطير كلها، ولا الصورة الزرية التي كانت تعرض بها الآلهة، فتصورهم - على أحسن تقدير - بشراً فائقي القوة، ولكن نفوسهم مشحونة بالنزوات الطائشة والانحرافات النزقة التي يتورع عنها البشر العاديون.. وإنما نستعرض أسطورة واحدة ذات دلالة في موضوع " العلم " هي برومثيوس سارق النار المقدسة!

هذه الأسطورة تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة صراع دائم وضغينة وأحقاد. علاقة لا ترف فيها مشاعر الرحمة أو العطف أو المودة.. ولا يهدأ أوراها حتى يشتعل من جديد.

والمعركة قائمة على النار المقدسة: نار " المعرفة "! البشر يريدون أن يستولوا على هذه النار المقدسة، ليعرفوا أسرار الكون كلها، ويصبحوا آلهة! والآلهة تردهم عنها في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتتفرد دونهم بالسلطان!

تلك إذن هي طبيعة العلاقة بين البشر والله! العلاقة التي اندست في أوهام الأوروبيين، وصارت تصرف أفكارهم ومشاعرهم بغير وعي. العجز وحده هو الذي يخضعهم لمشيئة الله! وهم غير راضين عن هذا العجز ولا ساكتين عنه. فهم في محاولة دائمة يطلبون " القوة " ويطلبون " المعرفة ". يحاولون دائماً أن يقهروا هذا العجز. أو يقهروا - بلغتهم - قوة الطبيعة. أو - بلغتهم اللاشعورية أيضاً - " ينتزعون " الأسرار! ينتزعونها من الإله الوثني القديم الذي كانوا يحاولون أن ينتزعوا منه ناره المقدسة!

وبهذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية - في أعماق اللا شعور - يحس الغربيون أن كل خطوة يخطوها " العلم " ترفع الإنسان فوق نفسه درجة، وتنزل الإله من عليائه بنفس القدر!

وتظل " المعركة " هكذا دائرة: كل فتح جديد من فتوحات العلم يخفض الإله ويرفع الإنسان، حتى تأتي اللحظة المرقوبة التي يتحلب لها ريق الغرب ويتلهف إليها، اللحظة التي " يخلق " فيها الإنسان الحياة، ويصبح هو الله!

وليس هذا التعبير من عندنا نصور به أفكار القوم. فهو نص تعبيرهم، قاله جوليان هكسلي في كتابه " الإنسان في العالم الحديث ". كما قاله غيره من العلماء الأوروبيين وهم ينددون بفكرة الله وفكرة الدين!
* * *


هذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية كان خانساً لا شك تحت القشرة المسيحية التي ظلت تطبع النفوس الأوربية بضعة قرون. وما كادت القشرة تتفتت بفعل الصراع العنيف الذي قام بين الكنيسة ودارون، أو بين الدين بمفهومه الرسمي وبين العلم، حتى برز على السطح ما كان متوارياً من قبل، وصار " العلماء " يجهرون بالعداوة السافرة، ويتعمدون البعد عن الدين والعقيدة، وينشرون هذه الآراء الكافرة التي تقول إن الإنسان هو الذي خلق الله، وليس الله هو الذي خلق الإنسان!!

ومن أجل هذه الروح الوثنية في حقيقتها - ولو تدينت في ظاهرها - من أجل هذه الروح النافرة من العقيدة، المستكبرة على العبادة، نجد هذه المفارقة العجيبة بين الحسن بن الهيثم في الإسلام ودارون في أوربا. فبينما الحسن بن الهيثم وهو يكتب في البصريات - في موضوع علمي بحت جاف لا ترفرف حوله نداوة المشاعر ولا أنوار العقيدة - يبدأ حديثه باسم الله، ويحمده ويطلب منه التوفيق، نجد دارون - وهو يكتب عن " الحياة " و " الأحياء " و " التطور "، عن موضوع يشهد بمعجزة الخلق ويكشف عن يد الخالق المبدعة في كل خطوة، ويستجيش الوجدان بالخشوع والعبادة - نجده ينفر من ذكر الله، ويروح يستتر في " الطبيعة " التي يقول عنها " إنها تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها! " سبحان الله! وما الله إذن إن كانت هذه هي الطبيعة؟ وكيف تقسو القلوب حتى تمنع نفسها منعاً من ذكر الله بصريح لفظه وصفته في هذا المقام؟! ولا يكتفي بذلك - وهو واضح الدلالة - فتعمى بصيرته عن القصد والتدبير في خلق الخالق المدبر، فيروح يصف إلهه الجديد الذي يسجد له - الطبيعة - بأنه يخبط خبط عشواء! لغير شيء سوى أنه - وهو البشر المحدود الطاقة الضئيل العلم - لم يستطع أن يدرك كل أسرار الحياة!

وما نريد أن نظلمهم.. أولئك العلماء!

فربما كانت ظروفهم المحلية في أوربا هي التي كفرتهم من الدين! وربما كانت الوحشية البشعة التي كانت الكنيسة الأوربية تعامل بها العلماء من أمثال كوبرنيكوس وجاليليو، فتعذبهم وتحرقهم من أجل نظرياتهم العلمية التي تخالف المعلومات " المقدسة " التي تتشبث بها الكنيسة.. ربما كانت هذه الوحشية هي التي أوجدت الخصومة والبغضاء بين " العلماء " والدين!

ولكننا نتبع فقط حوادث التاريخ..

فمنذ حدثت هذه الفرقة العنيفة بين الدين والعلم في أوربا.. منذ سار كل منهما في طريق يخالف الآخر ويناصبه العداء.. شملت الغرب كله فلسفة مادية ملحدة كافرة، لا تؤمن بالله، ولا تحكّمه في أمر من أمور الحياة، وفي أمر العلم خاصة من بين كل أمور الحياة!

ومضت الموجة التي أطلقها دارون تأخذ آخر مداها.. فتجرف من طريق العلم كل التراث الإنساني الخالد من عقيدة وأخلاق وتقاليد..

وطلع إلى الوجود من بعد دارون فرويد وماركس يلوثان العقيدة ويصوران النفس الإنسانية صورة بشعة مليئة بالأقذار.. أقذار الجنس عند فرويد، وأحقاد الصراع الطبقي عند ماركس.

وطلع علماء كثيرون.. في الطبيعة والكيمياء والفلك والرياضة والطب.. يشتملون على عبقريات جبارة، ويفتحون آفاقاً جبارة في هذه العلوم.. ولكنهم - مع الأسف - يرفضون السير في طريق العقيدة ويتنكبون - عن عمد - هداية الله!

لقد وعت أوربا جانباً من الدرس، حين اختلطت بالمسلمين في الأندلس، ونقلت عنهم المعارف وطريقة الدراسة.

أخذت عنهم الجد والقصد والعزيمة.. والصبر والجلد والكفاح.

أخذت عنهم احترام العلم والتوفر على البحث والإخلاص في الدراسة.

ولكنها أبت أن تأخذ الله، وتأخذ العقيدة.

ولقد وقعت الشعلة المقدسة - شعلة المعرفة - من أيدي المسلمين حين شغلتهم الفتن واللذائذ عن المضي في الطريق.. فتلقفتها أوربا. وسارت بها قدماً.. خطوات جبارة في كل ميدان. حتى فجرت الذرة وأطلقت طاقتها في الفضاء..

ولكنها لم تكن تسير في طريق الله. لم تكن تأخذ العلم فريضة كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم. فريضة تؤدى إلى الله، ويتقرب بها الإنسان من حماه.

وإذا تخلى العلم عن الله فقد تلقفه الشيطان.. وسار به في طريق الشر، وأبعد في طريق الضلال.

أول الشر أن العلم - منحة الله إلى الإنسان - يصبح أداة الكفر، ويبعد الإنسان عن الله!

والعلم - النور الذي يهدي الإنسان إلى الحق - يصبح ذريعة الناس إلى الباطل، في كل منحى من مناحي الحياة! في البحوث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية والفكرية والروحية، وكل بحث من البحوث!

والعلم - الذي " يعرف به الحلال والحرام " - يصبح أداة الفسق والخروج على الأخلاق، بنظريات " علمية " تؤيد الفساد!

والعلم - طريق الإنسان إلى الخير البشري - يصبح أداة التحطيم لهذه البشرية، يهددها بالموت المرعب كأبشع ما شهده الإنسان.. وما تزال تجربته " الصغيرة " في هيروشيما ونجازاكي ماثلة في الأذهان!

ذلك لأنه لم يعد " فريضة ".. وإنما مطية من مطايا الشهوات!
* * *


والمسلمون اليوم في حاجة إلى حكمة رسولهم يتدبرونها، ويتشربونها إلى الأعماق.

في حاجة لأن يُرجعوا إلى العلم قداسته واحترامه. وقد صاروا يتلهون به في عبث فاضح لا يليق بالبشر العاديين فضلاً عن المسلمين.

إنهم يأخذونه في استخفاف العابث.. إن كانوا طلبة في المدارس والمعاهد، أو " أساتذة " يدرسون للطلاب! غايته الوظيفة أو الكسب أو الشهرة من أقرب طريق. ووسيلته الغش والخداع والتلفيق!

إنهم لا يعطونه من الجد والعناية والاحترام حتى ما تعطيه أوربا الكافرة ؛ وهم أولى من الأوربيين بالتقاليد العلمية العريقة التي سار عليها جدودهم حين كانوا يعيشون في ظل الإسلام، ويستمدون من روح الإسلام.

لذلك هم في حاجة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، يردهم إلى احترام العلم وتقديره، ويعيدهم لروح الجد والإخلاص.

وهم في حاجة إليه كذلك ليعيدوا السلام للقلب البشري الممزق بين الدين والعلم، والدين والحياة، الغارق من جراء ذلك في تيار الشر والضلال، وهم - وحدهم، حين يؤمنون بالله ويؤمنون بأنفسهم - الذين يستطيعون عقد السلام في ذلك القلب، بعقيدتهم الفريدة التي توحد طريق الدين وطريق العلم.. بل توحد السماء والأرض، وتصل العمل بالعبادة والدنيا بالآخرة: وتصل المعرفة بطريق الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[5] رواه ابن ماجه.

[6] رواه أحمد عن أنس بن مالك.

[7] من حديث رواه ابن عبد البر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

[8] سورة فاطر [ 28 ].

[9] سورة آل عمران [ 190 - 191 ].

[10] "... فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ " سورة الملك [ 15 ].

[11] سورة آل عمران [ 193 - 194 ].

[12] رواه ابن عبد البر عن معاذ: الترغيب والترهيب ج 1 ص 58 رقم 8.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://netislamic.alafdal.net
 
قبسات من الرسول صلى الله عليه وسلم "طلب العلم فريضة"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» "أنقذ نفسك".. وتخلّص من عيوبك مع أشرف شاهين
» طريقة عمل الشيبسى المقرمش زى الشيبسى اللى بتشتريه فى اكياس"
» قصة "معن بن زائدة والأعرابي"
» حصريا مجهول ينتحل شخصية جدو للنصب على الفنانين " تقرير 90 دقيقة " على اكثر من سيرفر .
» فندق مـيـركـور " الـمـشـتـل تونس

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التقافة و العلوم :: المنتديات الإسلامية على مذهب السنة و الجماعة :: الحديث والسيرة النبوية-
انتقل الى:  

Search

Powered By D7omy-Hacker